Free Web Hosting by Netfirms
Web Hosting by Netfirms | Free Domain Names by Netfirms

 وكانت أيام جميلة

بقلم / عمر سعيد النـور

 

بعد طول غياب عن أرض الوطن ، سنحت لي الفرصة أخيراً  ، فسافرت في إجازة لم تتعدى الثلاثة أسابيع ، قضيت جلها بالخرطوم ، في محاولة البحث  ( دون جدوى ) عن فرصة قبول في أحدى الجامعات لابني  ،  ـ ولأني مطالب بالعودة لموقع عملي بالرياض ،  منتصف الشهر المنصرم  ـ ، فقد كانت زيارتي لودمدني .. زيارة خاطفة ، ولكن رغم قصرها ، فقد سعدت خلالها بأن لبيت دعوة كريمة لأخ عزيز  ،  يجمعني به إلى جانب الود ،  الحب لسيدة المدائن ( ودمدني )  ، وكانت فرصة بالنسبة لي للقاء أصدقاء أعزاء ، جلسنا لساعة متأخرة من الليــل ، نتبادل  أحاديث أعادتني لماضي  ودمدني قبل عشرين عاماً أو يزيد ،  فما أجمل تلك الأيام ، أنها ذكريات تبقى عالقة في الذهن ، لهذه المدينة الحبيبة إلى نفوسنا جميعاً ، فأثارت هذا  " الزيارة الخاطفة " شجوني ، وذكرتني بأيام ماضية ليس من السهولة أن ننساها .

صدقوني إنني أحن للماضي البعيد .. وسيظل في ذاكرتي ومخيلتي  ، فأيامه الجميلة ، وذكرياته الرائعة لا تنسى ، ولا تبرح خاطري مدى عمري ، حيث كانت طيبة القلوب هي المسيطرة ، وصفاء النية هي مبدأ التعامل بين الناس ، رغم الفقر في ذلك الوقت وصعوبة الحياة وشظف العيش ، إلا أن الناس كانوا أغنياء كثيراً بطيبتهم وأخلاقهم وقناعتهم .

الواحد منا لم يكن  يفكر في غده كثيراً ، وما سوف يحمله لنا .. بل يوكل ذلك إلى المولى يفعل ما يريد ، ولهذا هو ينام  مرتاح البال  ،  ليس هناك مكان في قلوبنا للحسد والتباغض ، وإن وجد فهو بالقدر اليسير ، والذي قد يكون ربما من طبيعة الإنسان وحبه الخير .

أنا مثل أولئك الأخوان الأعزاء عشت في ودمدني بياض أحلامي ونقاء سريرتي  ، وصفاء قلبي ومرحلة الصبا والشباب ، حين كان الواحد منا يفرح  بقطعة من قماش تكسوه ، وطاقية تحمي رأسه من لهيب الشمس ، وكسرة خبز تسد رمقه من الجوع ، وعندما تتوفر الملاليم ، تكون الرفاهية بتناول  كأس أيسكريم " ، عند " جورج الحلواني  " أو طبق فول مظبط بمطعم أبوظريفة أو كشك ، وكانت هذه الأشياء غاية مرادنا  وأحلامنا  .. " حتى وإن لم تتحقق !! يكفي أن تعيش لحظات الحلم سعيداً .. تلك الأحلام التي تشعر معها بأنك تمتلك الدنيا وتحتضنها بين ذراعيك مع أنك فارغ الجيب فقير ، .... فما أجمل البساطة في العيش  ،  ـ أحد أبنائي رفض تناول خبزاً أحضرناه صباح نفس اليوم من البقالة بحجة أنه غير طازج .... زمن ؟!! ـ "

في تلك الأيام الخوالي كنا لا نفكر في سيارات أو ساعة مميزة ، أو في سياحة بشارع  الهرم بالقاهرة ، فالدنيا عندنا في ذلك الوقت تنتهي في ( ودمدني ) . كل ما كنا نفكر فيه كيف نتميز بطيبتنا وأخلاقنا و ترابطنا وتواصلنا مع بعضنا البعض ، في تلاحم ليس له مثيل ، .....   وبصراحة  من لم يعش في ودمدني أو لا يعرفها فهو لم يعيش ؟ !! ولم يستمتع بجمال الناس وأخلاق الرجال .. كل شئ كان في ودمدني ، وكل المتضادات كانت في ودمدني ، وكل شئ جميل كان هناك .. إذا مررت بود مدني وأحياءها فهناك دمعة حري تنزل رغماً عني بسبب تداعي المعاني لتلك الأيام الخوالي  ، حيث كانت الناس تتساكن مع بعض  ، فيخلق ذلك نوع من الترابط والألفة بينهم  ، فقلوبهم نقية ،  .. فالمجتمع في تلك الأيام الجميلة  كان يقدم جمع الكلمة على المصلحة الذاتية  ( جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) .

فهل يستطيع  أحد أن ينكر علينا حبنا لك أيتها الرائعة ؟!!  .....،  لله درك أيتها الغالية ، كيف استبحت حمى القلوب ،  كأنها  أرضعت الميل إليك مع لبن الأمهات ، أين ما توجهت في المسير  تطوف في  خاطري نفحات من تلك الأجواء التي تذكرني  ذلك الماضي الأثير  ، فمدني كما عاهدناها تحفظ الود ،  فما من أحد نهل من هوائها ، وعاش بين أهلها إلا قاسمها الود فحفظ لها ما حفظت له ، فكانت في تلك الأيام الخوالى محط هجرة العشرات ممن يبحثون عن لقمة العيش ، والمجتمع الخير ، ومن المشاهد المألوفة في ذلك الزمن ، أنه ما من موظف نقل للعمل بودمدني ، إلا وكانت محطته الأخيرة  ، فتراه بعد فترة وجيزة يندمج في مجتمع المدينة ، ثم  سرعان ما يتبع هذا التكيف والاندماج ، بحث عن قطعة أرض ، واستقرار  ،  فلك الله يا ودمدني ودمت ماضياً تليداً ، وحاضراً مجيداً ومستقبلاً زاهراً بإذنه تعالى .

ومن لم يعرف ودمدني فعليه أن يسأل ليعرف الفرق بين ما كنا وما أصبحنا فيه!!؟ وبين أحلام أولئك البشر وأحلامنا الآن ، وبين مبادئ الرجولة هنا وهناك ، حتى يستطيع أن يعرف أيضاً كيف كانت الحياة ، وكيف أصبحت .

 

 

                                                                    عمر سعيد النور

                                                  الرياض ـ المملكة العربية السعودية